محمد سعيد رمضان البوطي
21
فقه السيرة ( البوطي )
من حولهم ، ولم يؤتوا من ترف الفلسفة والجدل اليوناني ما يصبحون به فريسة للأساطير والخرافات . كانت طبائعهم أشبه ما تكون بالمادة « الخام » التي لم تنصهر بعد في أي بوتقة محوّلة ، فكانت تتراءى فيها الفطرة الإنسانية السليمة ، والنزعة القوية إلى الاتجاهات الإنسانية الحميدة ، كالوفاء والنجدة والكرم والإباء والعفة ، إلا أنه كانت تعوزهم المعرفة التي تكشف لهم الطريق إلى كل ذلك ، إذ كانوا يعيشون في ظلمة من الجهالة البسيطة والحالة الفطرية الأولى ، فكان يغلب عليهم - بسبب ذلك - أن يضلوا الطريق إلى تلك القيم الإنسانية فيقتلوا الأولاد بدافع الشرف والعفة ، ويتلفوا الأموال الضرورية بدافع الكرم ، ويثيروا فيما بينهم المعارك بدافع الإباء والنجدة . وهذه الحالة هي التي عبر اللّه عز وجل عنها بالضلال حينما وصفهم بقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [ البقرة : 198 ] . وهي صفة - إذا ما نسبت إلى حال الأمم الأخرى إذ ذاك - تدل على الاعتذار لهم أكثر من أن تدل على تسفيههم أو تعييرهم بها . ذلك أن الأمم الأخرى كانت تستهدي لانحرافاتها العظيمة بمشاعل الحضارة والثقافة والمدنية ، فكانت تتقلب في حمأة الفساد عن تبصر وتخطيط وفكر . ثم إن الجزيرة العربية تقع - بالنسبة لرقعتها الجغرافية - في نقطة الوسط بين هذه الأمم التي كانت تموج من حولها . والناظر إليها اليوم يجد - كما يقول الأستاذ محمد المبارك - كيف أنها تقف في الوسط التام بين حضارتين جانحتين : إحداهما : حضارة الغرب المادية التي قدمت عن الإنسان صورة بتراء لا تقع حتى على جانب جزئي من الحقيقة ، وأخراهما : الحضارة الروحية الخيالية في أقصى الشرق كتلك التي كانت تعيش في الهند والصين وما حولهما « 1 » . فإذا تصورنا حالة العرب في جزيرتهم قبل الإسلام وحالة الأمم المختلفة الأخرى المحيطة بهم ، سهل علينا أن نستجلي الحكمة الإلهية التي اقتضت أن تتشرف الجزيرة العربية دون غيرها بمولده وبعثته صلى اللّه عليه وسلم ، وأن يكون العرب هم الطليعة الأولى التي تحمل إلى العالم مشعل الدعوة إلى الدين الإسلامي الذي تعبد اللّه به الجنس البشري كله من أقصى العالم إلى أقصاه .
--> ( 1 ) الأمة العربية في معركة تحقيق الذات : 147 .